الجصاص

434

أحكام القرآن

غير بيوتكم " في سائر الناس غيرهم ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " . وقوله تعالى : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) . روى سعيد عن قتادة قال : " كان هذا الحي من كنانة بني خزيمة يرى أحدهم أنه محرم عليه أن يأكل وحده في الجاهلية ، حتى أن الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه ، فأنزل الله : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) " . وروى الوليد بن مسلم قال : حدثنا وحشي بن حرب عن أبيه عن جده وحشي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : إنا نأكل ولا نشبع ، قال : " فلعلكم تفترقون ؟ " قالوا : نعم ، قال : " فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه " . وقال ابن عباس : ( جميعا أو أشتاتا ) " المعنى : يأكل مع الفقير في بيته " . وقال أبو صالح : " كان إذا نزل بهم ضيف تحرجوا أن يأكلوا إلا معه " . وقيل : " إن الرجل كان يخاف إن أكل مع غيره أن يزيد أكله على أكل صاحبه ، فامتنعوا لأجل ذلك من الاجتماع على الطعام " . قال أبو بكر : هذا تأويل محتمل ، وقد دل على هذا المعنى قوله : ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ) [ البقرة : 220 ] ، فأباح لهم أن يخلطوا طعام اليتيم بطعامهم فيأكلوه جميعا ، ونحوه قوله : ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أذكى طعاما فليأتكم برزق منه ) [ الكهف : 19 ] ، فكان الورق لهم جميعا والطعام بينهم فاستجازوا أكله ، فكذلك قوله : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا ) يجوز أن يكون مراده أن يأكلوا جميعا طعاما بينهم ، وهي المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار . وقوله تعالى : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية ) ، روى معمر عن الحسن : " فسلموا على أنفسكم ، يسلم بعضكم على بعض ، كقوله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) [ النساء : 29 ] " . وروى معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : " هو المسجد إذا دخلته فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " . وقال نافع عن ابن عمر : " أنه كان إذا دخل بيتا ليس فيه أحد قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وإذا كان فيه أحد قال : السلام عليكم ، وإذا دخل المسجد قال : بسم الله السلام على رسول الله " . وقال الزهري : ( فسلموا على أنفسكم ) " إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهم أحق من سلمت عليه ، وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنه كان يأمر بذلك حدثنا أن الملائكة ترد عليه " . قال أبو بكر : لما كان اللفظ محتملا لسائر الوجوه تأوله السلف عليها وجب أن يكون الجميع مرادا بعموم اللفظ .